أحمد بن محمد ابن عربشاه
344
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وقاسى حلوه ومره وعانى حرّه وقرّه ، وقطع للثعالب شباك مصايد وتخلص لابن آوى من ورطات مكايد ، ورأى من الزمان وبنيه نوائب وشدائد ، وحفظ وقائع لبنات آوى وثعالب ، وطالع من كتب حيلها طلائع كتائب وأحكم من طرائقها عجائب وغرائب ، فاتفق له في بعض الأحيان أنه وقف على بعض الجدران ، فنظر في عطفيه وتأمل في نقش برديه فرأى خيال تاجه العقيقي ، ونظر إلى خده الشقيقى « 1 » ، ونفض برائله « 2 » ، المنفش ، وسراويله المنقش ، والثوب الذي رقمه نقاش القدرة من المقطع والمبرقش فأعجبته نفسه ، وأذن فاطرية حسه وتذكر ما قاله الأسعد المادح في المعتصم بن صمادح « 3 » وهو : كأن أنوشروان أعطاه تاجه * وناطت عليه كف مارية القرطاء سبى حلة الطاوس حسن باسه * ولم يكفه حتّى سبى المشية البطّا فصار يتيه ويتبختر ويتقصف ويتخطر ، فاستهواه التمشى سويعة « 4 » ، حتى أبعد عن الضيعة ، فصعد إلى جدار وكان قد انتصف النهار فرفع صوته بالأذان فأنسى صوته الكناني والدهان ، فسمعه ثعلب فقال : مطلب ، وسارع من وكره وحمل شبكة مكره ، وتوجه إليه فرآه فسلم عليه ، فلما أحس به أبو اليقظان طفر إلى أعلى الجدران ، ثم حياه تحية مشتاق وترامى لديه ترامى العشاق . وقال أنعش الله بدنك وروحك ، وروى من كاسات الحياة غبوقك
--> ( 1 ) نسبة إلى شقائق النعمان ذات اللون الأحمر . ( 2 ) ما حول عنق الطائر من الريش . ( 3 ) المعتصم بن صمادح : السلطان ، أبو يحيى التجيبي الأندلسي ، محمد بن معن كان حليما جوادا ، ممدحا وكان فيه خير ودين وتواضع وعقل تام ، مات في ربيع الآخر سنة ( 484 ه ) سير أعلام النبلاء ( 4425 ) . ( 4 ) تصغير لساعة .